ابن الأثير
311
الكامل في التاريخ
أهلها ، فلمّا رأوها قالوا لها : يا مَرْيَمُ لَقَدْ جِئْتِ شَيْئاً فَرِيًّا ، يا أُخْتَ هارُونَ ما كانَ أَبُوكِ امْرَأَ سَوْءٍ وَما كانَتْ أُمُّكِ بَغِيًّا [ 1 ] فما بالك أنت ؟ وكانت من نسل هارون أخي موسى ، كذا قيل [ 2 ] . قلت : إنّها ليست من نسل هارون إنّما هي من سبط يهوذا بن يعقوب من نسل سليمان بن داود ، وإنّما كانوا يدعون بالصالحين ، وهارون من ولد لاوي بن يعقوب . قالت لهم ما أمرها اللَّه به ، فلمّا أرادوها بعد ذلك على الكلام أشارت إِلَيْهِ [ 3 ] ، فغضبوا وقالوا : لسخريّتها بنا أشدّ علينا من زنائها . قالُوا : كَيْفَ نُكَلِّمُ مَنْ كانَ فِي الْمَهْدِ صَبِيًّا [ 3 ] ، فتكلّم عيسى فقال : إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ آتانِيَ الْكِتابَ وَجَعَلَنِي نَبِيًّا وَجَعَلَنِي مُبارَكاً أَيْنَ ما كُنْتُ وَأَوْصانِي بِالصَّلاةِ وَالزَّكاةِ ما دُمْتُ حَيًّا [ 4 ] . فكان أوّل ما تكلّم به العبوديّة ليكون أبلغ في الحجّة على من يعتقد أنّه إله . وكان قومها قد أخذوا الحجارة ليرجموها ، فلمّا تكلّم ابنها تركوها . ثمّ لم يتكلّم بعدها حتى كان بمنزلة غيره من الصبيان ، وقال بنو إسرائيل : ما أحبلها غير زكريّا فإنّه هو الّذي كان يدخل عليها ويخرج من عندها ، فطلبوه ليقتلوه ، ففرّ منهم ، ثمّ أدركوه فقتلوه . وقيل في سبب قتله غير ذلك ، وقد تقدّم ذكره . وقيل : إنّه لما دنا نفاسها أوحى اللَّه إليها : أن أخرجي من أرض قومك
--> [ 1 ] ( سورة مريم 19 ، الآيتان 27 ، 28 ) . [ 2 ] كذا قال . [ 3 ] ( سورة مريم 19 ، الآية 29 ) . [ 4 ] ( سورة مريم 19 ، الآيتان 30 ، 31 ) .